الخميس 23 أكتوبر 2014 - 4:44 ص
أهم الأخبار:

مقالات أخرى للكاتب

إقرأ المزيد من مقالات : طارق الشناوي

أحدث أخبار الرياضة

إقرأ أيضا

أصدقاؤك يفضلون:

أرشيف الدستور الأصلي

طارق الشناوي يكتب: «الأصولى المتردد» المتفرج ليس محايدًا!!
الإثنين 19 نوفمبر 2012 - 10:52 ص طارق الشناوي

طارق الشناوي

لا تستطيع فى بعض الأفلام أن تقف محايدًا، المتلقى أحيانًا يدخل إلى دار العرض وهو لديه زاوية رؤيته على الجانب الآخر، لا تستطيع أن تنكر حق صانع العمل فى أن يتبنّى رؤيته، وهكذا قد يحدث الصراع بين الرؤيتين، وهى بالتأكيد معركة فكرية ونفسية خارج الشريط السينمائى.

 

فيلم الافتتاح فى الدوحة ترايبكا «الأصولى المتردد» للمخرجة الهندية ميرا ناير، محمّل بتلك الرؤية التى أحالت الفيلم إلى قضية فكرية قبل رؤيته كحالة إبداعية.

 

الإسلام والإرهاب صارا فى الثقافة الأوروبية والأمريكية كأنهما وجهان لعملة واحدة، ما إن تقول مسلمًا أو عربيًّا حتى لو لم تكن مسلمًا، فإن هناك عينًا تترصدك وتتهمك، أحداث 11 ستمبر 2001 شكَّلت نقطة فاصلة ولعبت بالتأكيد دورًا فى ترسيخ هذا المفهوم، ليصبح الدين مرادفًا لسفك الدماء، ولكننا أيضًا كعالم عربى وكعالم اسلامى لعبنا من خلال الفضائيات دورًا أشد ضراوة فى منح تلك الأفكار مصداقية، وذلك مثلًا عندما ترى فى خلفية الصورة لوحة مكتوبًا عليها «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ثم على الفور تشاهد يدًا تمسك بساطور لتذبح رجلًا أجنبيًّا، وبعدها تهليلات وتكبيرات. الممارسات الخاطئة باسم الدين وأن ما يصدر أحيانًا عن الإسلام حتى فى جانبه الاجتماعى مثل إباحة زواج الرجل من طفلة فى التاسعة من عمرها وغيرها من الأفكار التى أعلم وأوقن أنها لا تمت للإسلام، وأن مَن يروّجون لها فى الحد الأدنى هم لا يعرفون شيئًا عن الإسلام.

 

«الأصولى المتردد» لا يبتعد عن كل ما سبق، لأننا نراه وفى أعماقنا كل ذلك وأكثر، بين أجواء غنائية حميمية تبدأ بها الأحداث عندما نرى الأستاذ الجامعى الأمريكى الذى يتم اختطافه فى باكستان، بينما نستمع إلى أغنية فولكلورية مليئة بالشجن تتردد، وتبزغ فى الأفق أيضًا ملامح الناس البسطاء فى باكستان التى تعيش وهى لا تريد تطرّفًا ولا دماءً، ولكنها فى نفس الوقت جزء من الصورة التى نعايشها.. الفيلم مأخوذ عن رواية كتبها محسن حميد -الذى شارك أيضًا فى كتابة السيناريو- التى حقّقت مبيعات ضخمة عند طبعها وتُرجمت إلى 24 لغة، وتبدو كأنها تروى فى اتجاه واحد أحالها السيناريو من مونولوج أحادى النظرة إلى ديالوج.

 

الصعوبة هى أن تروى، وفى نفس الوقت تنتقل فى الزمان والمكان بين أمريكا وباكستان والفلبين وتركيا، لنرى بطل الفيلم رز أحمد، الذى هاجر وهو فى الثامنة عشرة من عمره إلى أمريكا، أبوه شاعر وشقيقته ممثلة، والخلفية الاجتماعية هنا مقصود بها أنه متحرّر فكريًّا منفتح على العالم وفى أمريكا يواصل دراسته ويعمل فى شركة تتولى إنقاذ الشركات الخاسرة، ويحقق نجاحًا، ولكن تأتى أحداث 11 سبتمبر لتحيله إلى متهم ويتبدّد الحلم إلى كابوس.

 

هل هو أصولى أم مسلم؟ إنه مسلم أراد أن يعيش فى الغرب محققًا ذاته، يقدمه الفيلم يعيش الطقوس الغربية بعيدًا حتى عن تطبيق القواعد الصارمة للحلال والحرام فى تعاملاته، ورغم ذلك فإن الاتهام الذى يلاحقه هو الأصولية.

 

الأصولية بالمناسبة ليست اتهامًا جنائيًّا، ولكنها تعبر عن جمود فكرى فى فهم الدين، ولكن أن ترتكب جرائم باسم الدين هو الجريمة وأن تحيل الآخر إلى عدو هنا يصبح الأصولى قاتلًا.

 

المشهد الرئيسى هو الصحفى الأمريكى يجرى حوارًا مع البطل فى مقهى داخل باكستان ليعرف بالضبط حكايته، لأنه يتشكك فى انتمائه إلى الأصوليين، وهذا الصحفى يعمل لحساب المخابرات الأمريكية التى تراقب التفاصيل ويريد إخراج زميله الأستاذ الأجنبى الذى رأيناه معتقلًا من قبل متطرفين، وقبل تنفيذ حكم القتل يسعى إلى تجنيد بطل الفيلم للعمل على إيقاف سفك الدماء وتحرير الأسير الأمريكى، لكنه يرفض، وعن طريق القطع المتوازى ونحن نتابع تفاصيل حياة البطل بين أمريكا وتركيا وباكستان وامتزاجه فى المجتمع الأمريكى ورغبته فى التواصل حتى عندما يسأله المحقق هل يحب أمريكا، تأتى الإجابة نعم أحبها.

 

وينتهى الفيلم باغتيال الأمريكى المعتقل ومقتل صديق البطل، بينما المظاهرات الصاخبة يزداد صداها والكادر السينمائى يمتلئ بالموسيقى الشعبية الباكستانية.

 

الفيلم وقف محايدًا، كأن المخرجة الهندية ميرا ناير، تُمسك بترمومتر، ولكنها فى أحيان تفلت منها الرؤية وتنحاز إلى الرؤية الغربية. الاتهام والترصد المسبق لكل من هو عربى أو إسلامى جريمة لا تقل ضراوة عن القتل باسم الدين. «الأصولى المتردد» كان أيضًا مترددًا فى الإدانة المباشرة لتلك الاتهامات التى عانى منها الكثيرون ولا يزالون يعانون لمجرد أنهم عرب أو مسلمون.

تعليقات القراء